الأحد، 13 سبتمبر 2009

الأحد، 13 سبتمبر 2009

مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها

مقالة أشباه الحمير في مريم وابنها
وأما قولهم في مريم فإنهم يقولون إنها أم المسيح ابن الله في الحقيقة، ووالدته في الحقيقة، لا أم لابن الله إلا هي، ولا والدة له غيرها، ولا أب لابنها إلا الله، ولا ولد له سواه، وإن الله اختارها لنفسه ولولادة ولده وابنه من بين سائر النساء، ولو كانت كسائر النساء لما ولدت إلا عن وطء الرجال لها، ولكن اختصت عن النساء بأنها حبلت بابن الله، ولدت ابنه الذي لا ابن له في الحقيقة غيره، ولا ولد له سواه، وإنها على العرش جالسة عن يسار الرب تبارك وتعالى والد ابنها، وابنها عن يمينه.
والنصارى يدعونها ويسألونها سعة الرزق، وصحة البدن، وطول العمر، ومغفرة الذنب، وأن تكون لهم عن ابنها ووالده -الذي يعتقد عامتهم أنه زوجها، ولا ينكرون ذلك عليهم- سوراً وسنداً وذخراً وشفيعاً وركناً، ويقولون في دعائهم: يا والدة الإله اشفعي لنا ! وهم يعظمونها ويرفعونها على الملائكة وعلى جميع النبيين والمرسلين، ويسألونها ما يسأل الإله من العافية والرزق والمغفرة.
حتى أن اليعقوبية يقولون في مناجاتهم لها: يا مريم يا والدة الإله، كوني لنا سوراً وسنداً وذخراً وركناً.
والنسطورية يقولون: يا والدة المسيح كوني لنا كذلك، ويقولون لليعقوبية: لا تقولوا: يا والدة الإله وقولوا يا والدة المسيح ، فقالت لهم العقوبية: المسيح عندنا وعندكم إله في الحقيقة فأي بيننا وبينكم في ذلك ؟ ولكنكم أردتم مصالحة المسلمين ومقاربتهم في التوحيد .
هذا…والأوقاح الأرجالس من هذه الأمة تعتقد أن الله سبحانه اختار مريم لنفسه ولولده، وتخطاها كما يتخطى الرجل المرأة.
قال النظام بعد أن حكى ذلك عنهم: وهو يفصحون بهدا عند من يثقون به.
قد قال ابن الأخشيد هذا عنهم في المعونة، وقال: إليه يشيرون، ألا ترون أنهم يقولون، من لم يكن والداً عقيماً والعقم آفة وعيب، وهذا قول جميعهم وإلى المباضعة يشيرون، ومن خالط القوم وطاولهم وباطنهم عرف ذلك منهم .
فهذا كفرهم وشركهم برب العالمين ومسبتهم له.
ولهذا قال فيهم أحد الخلفاء الراشدين: أهينوهم ولا تظلموهم فلقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر .
وقد أخبر النبي-صلى الله عليه وسلم- عن ربه في الحديث الصحيح أنه قال: شتمني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وكذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، أما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته … لو أتى الموحدون بكل ذنب وفعلوا كل قبيح وارتكبوا كل معصية ما بلغت مثقال ذرة في جنب هذا الكفر العظيم برب العالمين، ومسبته هذا السب، وقول العظائم فيه.
فما ظن هذه الطائفة برب العالمين أن يفعله بهم إذا لقوه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه ويسأل المسيح على رؤوس الأشهاد وهم يسمعون يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ فيقول المسيح مكذباً لهم ومتبرئاً منهم : سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد .
فهذا أصل دينهم وأساسه الذي قام عليه.
وأما فروعه وشرائعه فهم مخالفون للمسيح في جميعها ، وأكثر ذلك بشهاداتهم وإقرارهم ولكن يحيلون على البتاركة والأساقفة، فإن المسيح صلوات الله وسلامه عليه كان يتدين بالطهارة، ويغتسل من الجنابة، ويوجب غسل الحائض، وطوائف النصارى عندهم أن ذلك كله غير واجب، وأن الإنسان يقوم من على بطن المرأة يبول ويتغوط ولا يمس ماء ولا يستجمر، والبول والنجو ينحدر على ساقه وفخذه ويصلي كذلك وصلاته صحيحة تامة عنده، ولو تغوط وبال وهو يصلي لم يضره فضلاً عن أن يفسو أو يضرط، ويقولون : إن الصلاة بالجنابة والبول والغائط أفضل من الصلاة بالطهارة، لأنها حينئذ أبعد من صلاة المسلمين واليهود وأقرب إلى مخالفة الأمتين، ويستفتح الصلاة بالتصليب بين عينيه، وهذه الصلاة رب العالمين بريء منها، وكذلك المسيح وسائر النبيين، فإن هذه بالاستهزاء أشبه منها بالعبادة، وحاش المسيح أن تكون هذه صلاته أو صلاة أحد من الحواريين.
والمسيح كان يقرأ في صلاته ما كان الأنبياء وبنو إسرائيل يقرؤونه في صلاتهم من التوراة، والزبور، وطوائف النصارى إنما يقرؤون في صلاتهم كلاماً قد لحنه لهم الذين يتقدمون ويصلون بهم، يجري مجرى النوح والأغاني فيقولون: هذا قداس فلان وهذا قداس فلان، ينسبونه إلى وضعوه، وهم يصلون إلى الشرق، وما صلى المسيح إلى الشرق قط، وما صلى إلى أن توفاه الله إلا إلى بيت المقدس، وهي قبله داود والأنبياء، قبله ، وقبلة بني إسرائيل، والمسيح اختتن وأوجب الختان كما أوجبه موسى وهارون والأنبياء قبل المسيح.
والمسيح حرم الخنزير، ولعن آكله، وبالغ في ذمه -والنصارى تقر بذلك- ولقى الله ولم يطعم من لحمه بوزن شعيرة، والنصارى تتقرب إليه بأكله.
والمسيح ما شرع لهم هذا الصوم الذي يصومونه قط ولا صامه في عمره مرة واحدة ولا أحد من الصحابة، لا صام صوم العذارى في عمره، ولا أكل في الصوم ما يأكلونه ولا حرم فيه ما يحرمونه ولا عطل السبت يوماً واحداً حتى لقى الله، ولا اتخذ الأحد عبدا قط، والنصارى تقر أنه رقى مريم المجدلية فأخرج منها سبع شياطين وأن الشياطين قالت له: أين ناوي؟ فقال لها: أسلكي هذه الدابة النجمية يعني الخنزير.
فهذه حكاية النصارى عنهم بوهم يزعمون أن الخنزير من أطهر الدواب وأجملها، والمسيح سار في الذبائح والمناكح والطلاق والمواريث والحدود سيرة الأنبياء قبله.
وليس عند النصارى على من زنا أو لاط أو سكر حد في الدنيا أبداً ولا عذاب في الآخرة، لأن القس والراهب يغفره لهم فكلما أذنب أحدهم ذنباً أهدى للقس هدية أو أعطاه درهماً أو غيره ليغفر له به.
وإذا زنت امرأة أحدهم بيتها عند القس ليطيبها له فرذا انصرفت من عنده وأخبرت زوجها أن القس طيبها قبل ذلك منها وتبرك به.
! وهم يقرون أن المسيح قال: إنما جئتكم لأعمل بالتوراة وبوصايا الأنبياء قبلي، وما جئت ناقضاً بل متمما، ولأن تقع السماء على الأرض أيسر عند الله من أن أنقض شيئاً من شريعة موسى، ومن نقض شيئاً من ذلك يدعى ناقضا في ملكوت السماء وما زال هو وأصحابه كذلك إلى أن خرج من الدنيا، وقال لأصحابه: اعلموا بما رأيتموني أعمل، وارضوا من الناس بما أرضيتكم به، ووصوا الناس بما وصيتكم به، وكونوا معهم كما كنت معكم، وكونوا لهم كما كنت لكم .
قرأوا اليهود قد قالوا في المسيح: إنه ساحر مجنوب ممخرق ولد زنية فقالوا: هو إله تام وهو ابن الله !! ورأوا اليهود يختتنون فتركوا الختان ! ورأوهم يبالغون في الطهارة فتركوها جملة ! ورأوهم يتجنبون مؤاكلة الحائض وملامستها ومخالطتها جملة فجامعوها! ورأوهم يحرمون الخنزير، فأباحوه وجعلوه شعار دينهم، ورأوهم يحرمون كثيراً من الذبائح والحيوان فأباحوا ما دون الفيل إلى البعوضة، وقالوا: كل ما شئت ودع ما شئت لا حرج، ورأوهم يستقبلون بيت المقدس في الصلاة فاستقبلوا وبتاركتهم أن ينسخوا ما شاءوا ويحللوا ما شاءوا ويحوموا ما شاءوا، ورأوهم يحرمون السبت ويحفظونه فحرموا هم الأحد وأحلوا السبت مع إقرارهم بأن المسيح كان يعظم السبت ويحفظه ، ورأوهم ينفرون من الصليب، فإن في التوراة ملعون من تعلق بالصليب.
والنصارى تقر بهذا ، فعبدوا هم الصليب، كما في التوراة تحريم الخنزير نصاً فتعبدوا هم بأكله، وفيها الأمر بالختان، فتعبدوا هم بتركه مع إقرار النصارى بأن المسيح قال لأصحابه: إنما جئتكم لأعمل بالتوراة ووصايا الأنبياء قلبي، وما جئت ناقضاً بل متمماً، ولأن تقع، ولأن تقع السماء على الأرض، أيسر عند الله من أن أنقض شيئاً من شريعة موسى.
فذهب النصارى تنقضها شريعة شريعة في مكايدة اليهود ومغايظتهم وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم المعروف عندهم بافر كسيس أن قوماً من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتو أنطاكية وغيرها من الشام فدعوا الناس إلى دين المسيح الصحيح، فدعوهم إلى العمل بالتوراة وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة، فشق ذلك على الأمم واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحببوهم إلى دين المسيح ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم ، والتخلق بأخلاقهم وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم وأنشأوا في ذلك كتاباً، فهذا أحد مجامعهم الكبار.
وكانوا كلما أرادوا إحداث شيء اجتمعوا مجمعاً افتروا فيه على ما يريدون إحداثه إلى أن اجتمعوا المجمع الذي لم يجتمع لهم أكبر منه في عهد قسطنطين الرومي ابن هيلانة الحرانية الفندقية، وفي رمنه بدل دين المسيح وهو الذي أشاد دين النصارى المبتدع وقام به وقعد، وكان عدتهم زهاء ألفي رجل، فقروا تقريراً ثم رفضوه ولم يرتضوه، ثم اجتمع ثلاثمائة وثمانية عشر رجلاً منهم -والنصارى يسمونهم الآباء- فقرروا هذا التقرير الذي هم عليه اليوم، وهو أصل الأصول عند جميع طوائفهم لا يتم لأحد منهم نصرانية إلا به، ويسمونه سنهودس وهي الأمانة ! ولفظها: نؤمن بالله الآب الواحد يخالق ما يرى وما لا يرى، وبالرب الواحد يسوع المسيح ابن الله بكر أبيه وليس بمصنوع، إله حق من إله حق، من جوهر أبيه، الذي بيده اتقنت العوالم وخلق كل شيء، الذي من أجلنا معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مري البتول وحبلت به مريم البتول وولدته، وأخذ وصلب، وقتل أيام بيلاطس البنطي، وما ودفن، وقام في اليوم الثالث كما هو مكتوب ، وصعد إلى السماء وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء.
ونؤمن بالروح القدس روح الحق الذي يخرج من أبيه روح محبته، وبمعمودية واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة واحدة قديسية سليحية جاثليقية، وبقيام أبداننا وبالحياة الدائمة إلى أبد الآبدين .
فصرحوا فيها بأن المسيح رب وأنه ابن الله، وأنه بكره ليس له ولد غيره، وأنه ليس بمصنوع، أي ليس بعبد مخلوق بل هو رب خالق، وأنه إله حق استل وولده من إله حق، وأنه مساو لأبيه في الجوهر، وأنه بيده أتقنت العوالم، وهذه اليد أتقنت العوالم بها عندهم هي التي ذاقت حر المسامير كما صرحوا به في كتبهم.
وهذه ألفاظهم ، قالوا : وقد قال القدوة عندنا: إن اليد التي سمرها اليهود في الخشبة هي اليد التي عجنت طين آدم وخلفته وهي اليد التي شبرت السماء، وهي اليد التي كتبت التوراة لموسى ! قالوا وقد وصفوا صنيع اليهود به وهذه ألفاظهم وإنهم لطموا الإله وضربوه على رأسه.
قالوا: وفي بشارة الأنبياء به أن الإله تحبل به امرأة عذراء وتلده ويؤخذ ويصلب !، قالوا وأما سنهودس دون الأمم، قد اجتمع عليه سبعمائة من الآباء وهم القدوة وفيه: أن مريم حبلت بالإله وولدته وأرضعته وسقته وأطعمته.
قالوا: وعندنا أن المسيح ابن آدم وهو ربه وخالقه ورازقه، وابن ولده ابراهيم وربه وخالقه ورازقه، وابن إسرائيل وربه وخالقه ورازقه، وابن مريم وربها وخالقها ورازقها .
قالوا: وقد قال علماؤنا ومن هو القدوة عند جميع طوائفنا : السيوع في البدء ولم يزل كلمة، والكلمة لم نزل الله، والله هو الكلمة، فذاك الذي ولدته مريم وعاينه الناس وكان بينهم هو الله وهو كلمة الله ، هذه ألفاظهم ، قالوا: فالقديم الأزلي خالق السموات والأرض هو الذي عاينه الناس بأبصارهم ولمسوه بأيديهم ، وهو الذي حبلت به مريم وخاطب الناس من بطنها حيث قال للأعمى: أنت تؤمن بابن الله؟ قال الأعمى: ومن هو حتى أؤمن به ؟ قال: هو المخاطب لك، ابن مريم، فقال: آمنت بك وخر ساجداً.
قالوا: فالذي حبلت به مريم هو الله وابن الله وابن الله وكلمة الله .
وقالوا: وهو الذي ولد ورضع وفطم وأخذ وصلب وصفع وكتفت يداه وسمر وبصق في وجهه ومات ودفن وذاق ألم الصلب والتسمير والقتل لأجل خلاص النصارى من خطاياهم.
قالوا: وليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة بنبي ولا عبد صالح بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم وموسلهم وناصرهم ومؤيدهم ورب الملائكة .
قالوا: وليس مع أمه بمعنى الخلق والتدبير واللطف والمعونة، فإنه لا يكون لها بذلك مزية على سائر الإناث ولا الحيوانات ولكنه معها بحبلها به واحتواء بطنها عليه، فلهذا فارقت إناث جميع الحيوانات وفارق ابنها جميع، فصار الله وابنه الذي نزل من السماء وحبلت به مريم وولدته إلها واحداً ومسيحاً واحداً ورباً واحداً لا يقع بينهما فرق ولا يبطل الاتحاد بينهما بوجه من الوجوه لا في حبل ولا في ولادة ولا في حال نوم ولا مرض ولا صلب ولا موت ولا دفن بل هو متحد به في حال الحيل، فهو في تلك الحال مسيح واحد وخالق واحد وإله واحد ورب واحد، وفي حال، وفي حال الولادة كذلك، وفي حال الصلب الموت كذلك .
قالوا: فمنا من يطلق في لفظه وعبارته حقيقة هذا المعنى فيقول: مريم حبلت بالإله ، وولدت الإله، ومات الإله، ومنا من يمتنع من هذه العبارة لبشاعة لفظها ويعطى معناها وحقيقتها ، ويقول: مريم حبلت بالمسيح في الحقيقة، وولدت المسيح في الحقيقة، وهي أم المسيح في الحقيقة، والمسيح إله في الحقيقة، ورب في الحقيقة، وابن الله في الحقيقة، وكلمة الله في الحقيقة، لا ابن لله في الحقيقة سواه، ولا أب للمسيح في الحقيقة إلا هو .
قالوا: فهؤلاء يوافقون في المعنى قول من قال حبلت بالإله وولدت الإله وقتل الإله وصلب الإله.
ومات ودفن، وإن منعوا للفظ والعبارة .
قالوا: وإنما منعنا هذه العبارة التي أطلقها إخواننا، لئلا يتوهم علينا إذا قلنا: حبلت بالإله وولدت الإله وألم الإله ومات الإله أن هذا كله حل ونزل بالإله الذي هو آب ولكنا نقول حل هذا كله ونزل بالمسيح والمسيح عندنا وعند طوائفنا إله تام من جوهر أبيه، فنحن وإخواننا في الحقيقة شيء واحد لا فرق بيننا إلا في العبارة فقط.
قالوا : فهذا حقيقة ديننا وإيماننا، والآباء والقدوة قد قالوا قبلنا وسنوه لنا ومهدوه وهم أعلم بالمسيح منا .أ.هـ.
لا تختلف المثلثة عباد الصليب من أولهم إلى آخرهم أن المسيح ليس بنبي ولا عبد صالح ولكنه إله حق من إله حق من جوهر أبيه، وأنه إله تام من إله تام، إنه خالق السموات والأرضين، والأولين والآخرين، ورازقهم ومحييهم ومميتهم وباعثهم من القبور وحاشرهم ومحاسبهم ومثيبهم ومعاقبهم.
والنصارى تعتقد أن الآب انخلع من ملكه كله وجعله لابنه، فهو الذي يخلق ويرزق ويميت ويحيي ويدبر أمر السموات والأرض، ألا تراهم يقولون في أمانتهم : ابن الله وبكر أبيه، وليس بمصنوع -إلى قولهم- بيده أتقنت العوالم وخلق كل شيء -إلى قولهم- وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للفصل بين الأموات والأحياء ؟ ويقولون في صلواتهم ومناجاتهم : أنت أيها المسيح اليسوع تحيينا وترزقنا وتخلق أولادنا وتقيم أجسادنا وتبعثنا وتجازينا.
وقد تضمن هذا كله تكذيبهم الصريح للمسيح وإن أوهمتهم ظنونهم الكاذبة أنهم يصدقونه فإن المسيح قال لهم : إن الله ربي وربكم، وإلهي وإلهكم.
فشهد على نفسه أنه عبد الله مربوب مصنوع.
كما أنهم كذلك، وأنه مثلهم في العبودية والحاجة والفاقة إلى الله، وذكر أنه رسول الله إلى خلقه كما أرسل الأنبياء قبله، ففي إنجيل يوحنا أن المسيح قال في دعائه : إن الحياة الدائمة إنما تجب للناس بأن يشهدوا أنك أنت الله الواحد الحق وأنك أرسلت يسوع المسيح .
وهذا حقيقة شهادة المسلمين أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
وقال لبني إسرائيل: تريدون قتلي وأنا رجل قلت لكم الحق الذي سمعت الله يقوله فذكر ما غايته أنه رجل بلغهم ما قاله الله، ولم يقل وأنا إله ولا ابن الإله على معنى التوالد.
وقال : إني لم أجيء لأعمل بمشيئة نفسي ولكن بمشيئة من أرسلني .
وقال : إن الكلام الذي تسمعونه مني ليس من تلقاء نفسي، ولكن من الذي أرسلني، والويل لي إن قلت شيئاً من تلقاء نفسي ولكن بمشيئة هو من أرسلني .
وكان يواصل العبادة من الصلاة والصوم ويقول: ما جئت لأخدم.
وإنما جئت لأخدم.
فأنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله الله بها وهي منزلة الخدام.
وقال : لست أدين العباد بأعمالهم ولا أحاسبهم بأعمالهم، ولكن الذي أرسلني هو الذي يلي ذلك منهم كل هذا في الإنجيل الذي بأيدي النصارى.
وفيه أن المسيح قال: يا رب قد علموا أنك قد أرسلتني ، وقد ذكرت لهم إسمك فأخبر أن الله ربه وأنه عبده ورسوله.
وفيه أن الله الواحد رب كل شيء، أرسل من أرسل من البشر إلى جميع العالم ليقبلو إلى الحق.
وفيه أنه قال: إن الأعمال التي أعمل هي الشاهدات لي بأن الله أرسلني إلى هذا العالم.
وفيه ما أبعدني وأتعبني إن أحدثت شيئاً من قبل نفسي، ولكن اتكلم وأجيب بما علمني ربي.
وقال: إن الله مسحني وأرسلني، وأنا عبد الله، وإنما أعبد الله الواحد ليوم الخلاص….
وقال: إن الله عز وجل ما أكل ولا يأكل وما شرب ولا يشرب ولم ينم ولا ينام ولا ولد له ولا يولد ولا رآه أحد ولا يراه أحد إلا مات ، وبهذا يظهر لك سر قوله تعالى في القرآن: ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام .
تذكيراً للنصارى بما قال لهم المسيح.
وقال في دعائه لما سأل ربه أن يحيي الميت: أنا أشكرك وأحمدك لأنك تجيب دعائي في هذا الوقت وفي كل وقت، فأسألك أن تحيي هذا الميت ليعلم بنو إسرائيل أنك أرسلتني وأنك تجيب دعائي.
وفي الإنجيل أن المسيح حين خرج من السامرية ولحق بالجليل قال: لم يكرم أحد من الأنبياء في وطنه فلم يزد على دعوى النبوة.
وفي إنجيل لوقا : لم يقتل أحد من الأنبياء في وطنه فكيف تقتلونني .
وفي إنجيل مرقس : أن رجلاً أقبل إلى المسيح وقال: أنها المعلم الصالح أي خير أعمل لأنال الحياة الدائمة ؟ فقال له المسيح: لم قلت صالحاً ؟ إنما الصالح الله وحده، وقد عرفت الشروط، لا تسرق ولا تزن ولا تشهد بالزور ولا تخن ، وأكرم أباك وأمك .
وفي إنجيل يوحنا أن اليهود أرادوا قبضة رفع بصره إلى السماء وقال: قد دنا الوقت يا إلهي فشرفني لديك ، واجعل لي سبيلاً أن أملك كل من ملكتني الحياة الدائمة.
وإنما الحياة الباقية أن يؤمنوا بك إلهاً واحداً وبالمسيح الذي بعثت وقد عظمتك على أهل الأرض واحتملت الذي أمرتني به فشرفني ، فلم يدع سوى أنه عبد مرسل مأمور مبعوث.
وفي إنجيل متى: لا تدعوا لكم أبا على الأرض فإن أباكم واحد الذي في السماء، ولا تدعوا معلمين فإنما معلمكم المسيح وحده .
والآب في لغتهم الرب المربي، أي لا تقولوا إلهكم وربكم في الأرض ولكنه في السماء، ثم أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه وهو أن غايته أنه يعلم في الأرض وإلههم هو الذي في السماء.
وفي إنجيل لوقا حين دعا الله فأحيا ولد المرأة فقالوا: إن هذا النبي لعظيم، وإن الله قد تفقد أمته.
وفي إنجيل يوحنا أن المسيح أعلن صوته في البيت وقال لليهود: قد عرفتموني وموضعي، ولم آت من ذاتي ، ولكن بعثني الحق وأنتم تجهلونه، فإن قلت إني أجهله كنت كاذباً مثلكم وأنا أعلم وأنتم تجهلونه أنى منه وهو بعثني ، فما زاد في دعواه على ما ادعاه الأنبياء فأمسكت المثلثة قوله: إني منه وقالوا: إله حق من إله حق.
في القرآن رسول من الله ، وقال هود: ولكني رسول من رب العالمين ، وكذلك قال صالح ! ولكن أمة الضلال كما أخبر الله عنهم يتبعون المتشابه ويردون المحكم.
وفي الإنجيل أيضاً أنه قال لليهود وقد قالوا له: نحن أبناء الله .
فقال لهم: لو كان أباكم لأطعتموني لأني رسول منه خرجت مقبلاً ولم أقبل من ذاتي ولكن هو بعثني، لكنكم لا تقبلون وصيتي وتعجزون عن سماع كلامي، إنما أنتم أبناء الشيطان وتريدون إتمام شهواته .
وفي الإنجيل أن اليهود أحاطت به وقالت له: إلى متى تخفي أمرك إن كنت المسيح الذي ننتظره فأعلمناه بذلك ؟ ولم تقل إن كنت الله أو ابن الله فإنه لم يدع ذلك ولا فهمه عنه أحد من أعدائه ولا أتباعه.
وفي الإنجيل أيضاً: إن اليهود أرادوا القبض عليه فبعثوا لذلك الأعوان وإن الأعوان رجعوا إلى قوادهم فقالوا لهم لم لم تأخذوه، فقالوا ما سمعنا آدمياً أنصف منه، فقالت اليهود وأنتم أيضاً مخدعون أترون أنه آمن به أحد من القواد أو من رؤساء أهل الكتاب ؟ فقال لهم بعض أكابرهم : أترون كتابكم يحكم على أحد قبل أن يسمع منه ؟ فقالوا له اكشف الكتب ترى أنه لا يجيء من الجليل نبي .
فما قالت اليهود ذلك إلا وقد أنزل نفسه بالمنزلة التي أنزله بها ربه ومالكه أنه ومالكه أنه نبي، ولو علمت من دعواه الإلهية لذكرت ذلك له وأنكرته عليه وكان أعظم أسباب التنفير عن طاعته، لأن كذبه كان يعلم بالحس والعقل والفطرة واتفاق الأنبياء.
ولقد كان يجب لله سبحانه -لو سبق في حكمته أنه يبرز لعباده، وينزل عن كرسي عظمته، ويباشرهم بنفسه- أن لا يدخل في فرج امرأة، ويقيم في بطنها بين البول والنجو والدم عدة أشهر، وإذ قد فعل ذلك.
لا يخرج صبياً ، يرضع ويبكي، وإذ قد فعل ذلك، لا يأكل مع الناس ويشرب معهم وينام، وإذ قد فعل ذلك، فلا يبول ولا يتغوط ويمتنع من الخرأة إذ هي منقصة ابتلى بها الإنسان في هذه الدار لنقصه وحاجته، وهو تعالى المختص بصفات الكمال المنعوت بنعوت الجلال، الذي ما وسعته سمواته ولا أرضه، وكرسيه وسع السموات والأرض، فكيف وسعه فرج امرأة، تعالى الله رب العالمين…وكلكم متفقون على أن المسيح كان يأكل ويشرب ويبول ويتغوط وينام.
فيا معشر المثلثة وعباد الصليب…أخبرونا من كان الممسك للسموات والأرض حين كان ربها وخالقها مربوطاً على خشبة الصليب وقد شدت يداه ورجلاه بالحبال وسمرت اليد التي أتقنت العوالم، فهل بقيت السموات والأرض خلواً من إلهها وفاطرها وقد جرى عليه هذا الأمر العظيم ؟ أم تقولون استخلف على تدبيرها غيره وهبط عن عرشه لربط نفسه على خشبة الصليب وليذوق حر المسامير وليوجب اللعنة على نفسه حيث قال في التوراة: ملعون من تعلق بالصليب ، أم تقولون: كان هو المدبر لها في تلك الحال، فكيف وقد مات ودفن ؟ أم تقولون -وهو حقيقة قولكم - لا ندري ولكن هذا في الكتب وقد قاله الآباء وهم القدوة والجواب عليهم ! فنقول لكم وللآباء : معاشر المثلثة عباد الصليب ! ما الذي دلكم على إلهية المسيح ؟ فإن كنتم استدللتم عليها بالقبض من أعدائه عليه وسوقه إلى خشبة الصليب وعلى رأسه تاج من الشوك وهم يبصقون في وجهه ويصفعونه ثم أركبوه ذلك المركب الشنيع وشدوا يديه ورجليه بالحبال وضربوا فيها المسامير وهو يستغيث وتعلق ثم فاضت نفسه وأودع ضريحه، فما أصحه من استدلال عند أمثالك ممن أهل أضل من الأنعام وهم عار على جميع الأنام.
وإن قلتم إنما استدللنا على كونه إلها بأنه لم يولد من البشر ولو كان مخلوقاً لكان مولوداً من البشر، فإن كان هذا الاستدلال صحيحاً فآدم إله المسيح، وهو أحق بأن يكون إلهاً منه لأنه لا أم له ولا أب والمسيح له أم، وحواء أيضاً اجعلوها إلها خامساً لأنها لا أم لها وهي أعجب من خلق المسيح.
والله سبحانه قد نوع خلق آدم وبينه إظهاراً وأنه يفعل ما شاء، فخلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق زوجه حواء من ذكر لا من أنثى، وخلق عبده المسيح من أنثى لا من ذكر، وخلق سائر النوع من ذكر وأنثى.
وإن قلتم : استدللنا على كونه إلها بأنه أحيا الموتى، ولا يحييهم إلا الله، فاجعلوا موسى إلها آخر، فإنه أتى من ذلك بشيء لم يأت المسيح بنظيره ولا ما يقاربه، وهو جعل الخشبة حيواناً عظيماً ثعباناً، فهذا أبلغ من إعادة الحياة إلى جسم كانت فيه أولا، فإن قلتم هذا غير إحياء الموتى فهذا اليسع النبي أتى بإحياء الموتى وهم يقرون بذلك، وكذلك الياء النبي أيضاً أحيا صبياً بإذن الله، وهذا موسى قد أحيا بإذن الله السبعين الذين ماتوا من قومه، وفي كتبكم من ذلك كثير يعن الأنبياء والحواريين: فهل صار أحد منهم إلهاً بذلك ؟ وإن قلتم جعلناه إلهاً للعجائب التي ظهرت على يديه فعجائب موسى أعجب وأعجب، وهذا إيلياء النبي بارك على دقيق العجوز ودهنها فلم ينفذ ما في جرابها من الدقيق وما في قارورتها من الدهن سبع سنين.
وإن جعلتموه إلهاً لكونه أطعم من الأرغفة اليسيرة آلافا من الناس فهذا موسى قد أطعم أمته أربعين سنة من المن والسلوى ! وهذا محمد بن عبد الله قد أطعم العسكر كله من زاد يسير جداً حتى شبعوا وملأوا أوعيتهم، وسقاهم كلهم من ماء يسير لا يملأ اليد حتى يملأوا كل سقاء في العسكر، وهذا منقول عنه بالتواتر.
وإن قلتم جعلناه إلها لأنه صاح بالبحر فسكت أمواجه، فقد ضرب موسى البحر بعصاه فانفلق اثني عشر طريقاً وقام الماء بين الطرق كالحيطان، وفجر من الحجر الصلد اثني عشر سارحة! وإن جعلتموه إلهاً لأنه أبرأ الأكمه والأبرص فإحياء الموتى أعجب من ذلك، وآيات موسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أعجب من ذلك.
وإن جعلتموه إلها لأنه ادعى العبودية والافتقار وأنه مربوب مصنوع مخلوق، فإن كما كان ادعيتم عليه فهو أخو المسيح الدجال وليس بمؤمن ولا صادق فضلاً عن أن يكون نبياً كريماً وجزاؤه جهنم وبئس المصير، كما من تعالى: ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم ، وكل من ادعى الإلهية من دون الله فهو من أعظم أعداء الله كفرعون ونمرود وأمثالهما من أعداء الله، فأخرجتم المسيح عن كرامة الله ونبوته ورسالته وجعلتموه أعظم أعداء الله، ولهذا كنتم أشد الناس عداوة للمسيح في صورة محب موال ! ومن أعظم ما يعرف به كذب المسيح الدجال أنه يدعي الإلهية فيبعث الله عبده ورسوله مسيح الهدى ابن مريم فيقتله، ويظهر للخلائق أنه كان كاذباً مفترياً ولو كان إلها لم يقتل فضلاً عن أن يصلب ويسمر ويبصق في وجهه ! وأن كان المسيح إنما ادعى أنه عبد ونبي ورسول كما شهدت به الأناجيل كلها ودل عليه العقل والفطرة وشهدتم أنتم له بالإلهية -وهذا هو الواقع- فلم تأتوا على إلهيته ببينة غير تكذيبه في دعواه، وقد ذكرتم عنه في أناجيلكم في مواضع عديدة ما يصرح بعبوديته وأنه مربوب مخلوق، وأنه ابن البشر، وأنه لم يدع غير النبوة والرسالة، فكذبتموه في ذلك كله وصدقتم من كذب على الله وعليه ! وإن قلتم إنما جعلناه إلهاً لأنه أخبر بما يكون بعده من الأمور فكذلك عامة الأنبياء، وكثير من الناس يخبر عن حوادث في المستقبل جزئية ويكون ذلك كما أخبر به، ويقع من ذلك كثير للكهان والمنجمين والسحرة! وإن قلتم إنما جعلناه إلهاً لأنه سمى نفسه ابن الله في غير موضع من الإنجيل كقوله: إني ذاهب إلى أبي، وإني سائل أبي، ونحو ذلك وابن الإله إله، قيل: فاجعلوا أنفسكم كلكم آلهة في غير موضع إنه سماه أباه، أباهم كقوله أذهب إلى أبي وأبيكم وفيه ولا تدعوا لكم أبا على الأرض فإن أباكم واحد الذي في السماء وهذا كثير في الإنجيل وهو يدل على أن الأب عندهم : الرب ! وإن جعلتموه إلهاً لأن تلاميذه ادعوا ذلك له وهم أعلم الناس به كذبتم أناجيلكم التي بأيديكم فكلها صريحة أظهر صراحة بأنهم ما ادعوا له إلا ما ادعاه لنفسه من أنه عبد، فهذا متى يقول في الفصل التاسع من إنجيله محتجاً بنبوة أشعياء في المسيح عن الله عز وجل: هذا عبدي الذي اصطفيته وحبيبي الذي ارتاحت نفسي له.
وفي الفصل الثامن من إنجيله: إني أشكرك يا رب، و ويارب السماوات والأرض .
وهذا لوقا يقول في آخر إنجيله : إن المسيح عرض له ولآخر من تلاميذه في الطريق ملك وهما محزونان، فقال لهما وهما لا يعرفانه: ما بالكما محزونين ؟ فقالا: كأنك غريب في بيت المقدس، إذ كنت لا تعلم ما حدث فيها في هذه الأيام من أمر الناصري فإنه كان رجلاً نبياً قوياً تقياً في قوله وفعله عند الله وعند الأمة أخذوه وقتلوه .
وهذا كثير جداً في الإنجيل ! وإن قلتم : إنما جعلناه إلهاً لأنه صعد إلى السماء … فهذا أخنوخ وإلياس قد صعدا إلى السماء وهما حيان مكرمان لم تشكهما شوكة ولا طمع فيهما طامع.
والمسلمون مجمعون على أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- صعد إلى السماء وهو عبد محض.
وهذه الملائكة تصعد إلى السماء، وهذه أرواح المؤمنين تصعد إلى السماء بعد مفارقتها الأبدان ولا تخرج بذلك عن العبودية، وهل كان الصعود إلى السماء مخرج عن العبودية بوجه من الوجوه ؟ وإن جعلتموه إلهاً لأن الأنبياء سمته إلهاً ورباً وسيداً ونحو ذلك فلم يزل كثير من أسماء الله عز وجل تقع على غيره جميع الأمم وفي سائر الكتب، ومازالت الروم والفرس والهند والسريانيون والعبرانيون والقبط وغيرهم يسمون ملوكهم آلهة وأرباباً.
وفي السفر الأول من التوراة: أن نبي الله دخلوا على بنات الناس ورأوهن بارعات الجمال فتزوجوا منهن .
وفي السفر الثاني من التوراة في قصة الخروج من مصر إني جعلتك إلهاً لفرعون .
وفي المزمور الثاني والثمانين لداود قام الله لجميع الآلهة هكذا في العبرانية ، وأما من نقله إلى السريانية فإنه حرفه فقال: قام الله في جماعة الملائكة ، وقال في هذا المزمور وهو يخاطب قوماً باروح: لقد ظننت أنكم ألهة وأنكم أبناء الله كلكم وقد سمي نفسه بذلك، وسماه بالعزيز وسمى نفسه بذلك، وسماه بالرؤوف الرحيم كما سمى نفسه بذلك، وسماه بالعزيز وسمى نفسه بذلك، واسم الرب واقع على غير الله تعالى في لغة أمة التوحيد، كما يقال هذا رب المنزل ورب الإبل ورب هذا المتاع، وقد قال أشعياء : عرف الثور من اقتناه والحمار مربط ربه ولم يعرف بنو إسرائيل .
وإن جعلتموه إلهاً لأنه صنع من الطين صورة طائر ثم نفخ فيها فصارت لحماً ودماً وطائراً حقيقة ولا يفعل هذا إلا الله، قيل فاجعلوا موسى بن عمران إله الآلهة فإنه ألقى عصا فصارت ثعباناً عظيماً ثم أمسكها بيده فصارت عصا كما كانت ! وإن قلتم : جعلناه إلهاً لشهادة الأنبياء والرسل له بذلك، قال دانيال حيث سباهم بختنصر إلى أرض بابل بعد أربعمائة واثنين وثمانين سنة : يأتي المسيح ويخلص الشعوب والأمم وعند انتهاء هذه المدة أتى المسيح، ومن يطيق تخليص الأمم من الكفر والشرك وخلصوهم من النار بإذن الله وحده، ولا شك أن المسيح خلص من آمن به واتبعه من ذل الدنيا وعذاب الآخرة، كما خلص موسى بني إسرائيل من فرعون وقومه، وخلصهم بالإيمان باليوم الآخر من عذاب الآخرة، وخلص الله سبحانه بمحمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- عبده ورسوله من الأمم والشعوب ما لم يخلصه نبي سواه فإن وجبت بذلك الإلهية لعيسى فموسى ومحمد أحق بها منه.
وإن قلتم أوجبنا له بذلك الإلهية لقول أشعياء النبي عن ولادته: وفي ذلك الزمان يقوم لداود ابن، وهو ضوء النور، يملك الملك، ويقيم الحق العدل في الأرض، ويخلص من آمن به من اليهود ومن بني إسرائيل ومن غيرهم، ويبقى بيت المقدس من غير مقاتل، ويسمى الإله فقد تقدم أن اسم الإله في الكتب المتقدمة وغيرها قد أطلق على غيره وهو بمنزلة الرب والسيد والآب ولو كان عيسى هو الله لكان أجل من أن يقال ويسمى إله وكان يقول وهو الله، فإن الله سبحانه لا يعرف بمثل هذا، وفي هذا الدليل الذي جعلتموه به إلهاً أعظم الأدلة على أنه عبد وأنه ابن البشر فإنه قال: يقول لداود ابن فهذا الذي قام لداود هو الذي سمى بالإله، فعلم أن هذا الإسم لمخلوق مصنوع مولود لا لرب العالمين وخالق السموات والأرضين.
وإن قلتم إنما جعلناه إلهاً من جهة قول أشعياء النبي : قل لصهيون يفرح ويتهلل فإن الله يأتي ويخلص الشعوب ويخلص من آمن به ويخلص مدينة بيت المقدس ويظهر الله ذراه الطاهر فيها لجميع الأمم المتبددين ويجعلهم أمة واحدة، ويبصر جميع أهل الأرض خلاص الله لأنه يمشي معهم وبين أيديهم ويجمعهم إله إسرائيل.
قيل لهم: هذا يحتاج إلى أن يعلم أن ذلك في نبوة أشعياء بهذا اللفظ بغير تحريف للفظه ولا غلط في الترجمة، وهذا غير معلوم، وإن ثبت ذلك لم يكن فيه دليل على أنه إله تام وأنه غير مصنوع ولا مخلوق فإنه نظير ما في التوراة: جاء الله من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران ، وليس في هذا ما يدل على أن موسى ومحمداً إلهان والمراد بهذا مجيء دينه وكتابه وشرعه وهداه ونوره.
وأما قوله: ويظهر ذراعه الطاهر لجميع الأمم المبددين ففي التوراة مثل هذا وأبلغ منه في غير موضع.
وأما قوله: ويبصر جميع أهل الأرض خلاص الله لأنه يمشي معهم ومن بين أيديهم، فقد قال في التوراة في السفر الخامس لبني إسرائيل : لا تهابوهم ولا تخافوهم لأن الله ربكم السائر بين أيديكم وهو محارب عنكم.
وفي موضع آخر قال موسى: إن الشعب هو شعبك، فقال أنا أضي أمامك، فقال إن لم تمض أنت أمامنا وإلا فلا تصعدنا من ههنا، فكيف أعلم أنا وهذا الشعب أني وجدت نعمة كذا إلا بسيرك معنا ؟ .
وفي السفر الرابع: أنك أصعدت هؤلاء بقدرتك فيقولون لأهل هذا الأرض الذي سمعوا أنك الله بين هؤلاء القوم الذين أنت يا رب قد ظهرت لهم عيناً لعين وغمامك تغيم عليهم وبعمود غمام تسير بين أيديهم نهاراً وبعمود نار ليلاً .
وفي التوراة أيضاً يقول الله لموسى : إني آت إليك في غلظ الغمام لكي يسمع القوم مخاطبتي لك، وفي الكتب الإلهية وكلام الأنبياء من هذا كثير.
فيما حكى خاتم الأنبياء عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي .
وإن قلتم جعلناه إلهاً لقول زكريا في نبوته: ترنمي وافرحي يا بنت صهيون لأني آتيك وأحل فيك وأتراءى، وتؤمن بالله في ذلك اليوم الأمم الكثيرة، ويكونون له شعباً واحداً، ويحل هو فيهم ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك، ويأخذ الله في ذلك اليوم الملك من يهوذا ويملك عليهم إلى الأبد.
قيل لكم: إن أوجبتم له الإلهية بهذا فلتجب لإبراهيم وغيره من الأنبياء، فإن عند أهل الكتاب وأنتم معهم، أن الله تجلى لإبراهيم واستعلن له وتراءى له .
أما قوله : وأحل فيك لم يرد سبحانه بهذا حلول ذاته التي لا تسعها السموات والأرض في بيت المقدس، وكيف تحل ذاته في مكان يكون فيه مقهوراً مغلوباً مع شرار الخلق ؟ كيف وقد قال: ويعرفون أني أنا الله القوي الساكن فيك ؟ أفترى عرفوا قوته بالقبض عليه وشد يديه بالحبال وربطه على خشبة الصليب ودق المسامير في يديه ورجليه ووضع تاج الشوك على رأسه وهو يستغيث ولا يغاث ؟ وما كان المسيح يدخل بيت المقدس إلا وهو مغلوب مقهور مستخف في غالب أحواله.
ولو صح مجيء هذه الألفاظ صحة لا تدفع وصحت ترجمتها كما ذكروه معناها أن معرفة الله والإيمان به وذكره ودينه وشرعه حل في تلك البقعة، وبيت المقدس لما ظهر فيه دين المسيح بعد رفعه حصل فيه من الإيمان بالله ومعرفته ما لم يكن قبل ذلك.
وجماع الأمر……أن النبوات المتقدمة والكتب الإلهية لم تنطق بحرف واحد يقتضي أن يكون ابن البشر إلهاً تاماً.
إله حق، من إله حق وأنه غير مصنوع ولا مربوب، بل لم يخصه إلا بما خص به أخوه وأولى الناس به محمد ابن عبد الله في قوله : إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، وكتب الأنبياء المتقدمة وسائر النبوات موافقة لما أخبر به محمد-صلى الله عليه وسلم-، وذلك كله يصدق بعضه بعضاً ، وجيمع ما تستدل به المثلثة عباد الصليب على إلهية المسيح من ألفاظ وكلمات في الكتب فإنها مشتركة بين المسيح وغيره كتسميته أباً وكلمة وروح وإلهاً، وكذلك ما أطلق من حلول روح القدس فيه وظهور الرب فيه أو في مكانه.
وقد وقع في نظير شركهم وكفرهم طوائف من المنتسبين إلى الإسلام، واشتبه عليهم ما يحل في قلوب العارفين من الإيمان به ومعرفته ونوره وهداه فظنوا أن ذلك نفس ذات الرب، وقد قال تعالى: وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم ، وهو ما في قلوب ملائكته وأنبيائه وعباده المؤمنين من الإيمان به ومعرفته ومحبته وإجلاله وتعظيمه، وهو نظير قوله: فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وقوله: وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ، وقوله: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ، فأولياء الله يعرفونه ويحبونه، ويقال : هو في قلوبهم.
والمراد محبته ومعرفته والمثل الأعلى في قلوبهم لا نفس ذاته وهذا أمر يعتاده الناس في مخاطبتهم ومحاوراتهم، يقول الإنسان لغيره: أنت في قلبي ولازلت في عيني…كما قال القائل:-
ومن عجب : أني أحـن إليـهم وأسـأل عنهم من لقيت، وهم معي
وتطلبهم عيني، وهم في سوادهـا ويشتاقهم قلبي، وهم بين أضلـعي
وقال آخر:-
خيالك في عيني، وذكرك في فمي ومثواك في قلبي. فأين تغيـب
وقال آخر:-
سـاكــن في القــلب يعمــره لســـت أنــســاه فأذكـره
وقال آخر:-
إن قلـت غبـت ، فقلبي لا يصدقني إذ أنت فيــه لم تــــــغـب
أو قلت:ما غبت، قال الطرف:ذا كذب فقد تحيــرت بين الصدق والكـذب
وقال آخر:-
أحـن إليـه، وهو في القلـب ساكن فيـا عجــباً لمـن يحـن لقلبـــه
ومن غلظ صبعه وكشف فهمه عن فهم مثل هذا لم يكثر عليه أن يفهم من ألفاظ الكتب أن ذات الله سبحانه تحل في الصورة البشرية وتتحد بها وتمتزج بها… تعالى عما يقولون علوا كبيرا .
وإن قلتم أوجبنا له الإلهية من قول أشعياء: من أعجب الأعجب الأعاجيب أن رب الملائكة سيولد من البشر.
قيل لكم: هذا مع أنه يحتاج إلى صحة هذا الكلام عن أشعياء وأنه لم يحرف بالنقل من ترجمة إلى ترجمة وأنه كلام منقطع عما قبله وبعده بينه، فهو دليل على أنه مخلوق مصنوع، وأنه ابن البشر مولود منه، لا من الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ! وإن قلتم : جعلناه إلهاً من قول متى في إنجيله: إن ابن الإنسان يرسل ملائكته ويجمعون مختاريه من أقصاء السموات إلى أقصائها ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض .
قيل: هذا كالذي قبله سواء، ولم يرد أن المسيح هو رب الأرباب ولا أنه خالق الملائكة، وحاش لله أن يطلق عليه أنه رب الملائكة بل هذا من أقبح الكذب والافتراء، بل رب الملائكة أوصى الملائكة بحفظ المسيح وتأييده ونصره بشهادة لوقا النبي القائل عندهم: إن الله يوصي ملائكته بك ليحفظوك .
ثم بشهادة لوقا: إن الله أرسل له ملكاً من السماء ليقويه .
هذا الذي نطقت به الكتب، فحرف الكذابون على الله وعلى مسيحه ذلك ونسبوا إلى الأنبياء أنهم قالوا هو رب الملائكة.
وإذا شهد الإنجيل واتفق الأنبياء والرسل أن الله يوصي ملائكة بالمسيح ليحفظوه.
علم أن الملائكة والمسيح عبيد الله منفذون لأمره، وليسوا أرباباً ولا آلهة.
وقال المسيح لتلامذته: من قبلكم فقد قبلني، ومن قبلني فقد قبل من أرسلني.
وقال المسيح لتلامذته أيضاً: من أنكرني قدام الناس أنكرته أنا قدام أبي الذي في السموات.
وقال للذي ضرب عبد رئيس الكهنة: أغمد سيفك.
أولا تظن أني أستطيع أن أدعو الله الآب فيقيم لي أكثر من اثني عشر جيشاً من الملائكة من اثني عشر جيشاً من الملائكة ؟ فهل يقول هذا من هو رب الملائكة وإلههم وخالقهم ؟ وإن أوجبتم له الإلهية بما نقلتموه عن أشعياء: تخرج عصا من جذع يسى، وينبت غصن من أصوله، ويحل فيه روح الرب، روح المحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح العلم وخوف الله
قيل لكم هذا الكلام ، بعد المطالبة بصحة نقله عن أشعياء وصحة الترجمة له باللسان العربي وأنه لم يحرفه المترجم، هو حجة على المثلثة عباد الصليب لا لهم ، فإنه لا يدل على أن المسيح خالق السموات والأرض، بل يدل على مثل ما دل عليه القرآن، وأن المسيح أيد بروح الرب، فإنه قال: ويحل فيه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح العلم وخوف الله.
ولم يقل تحل فيه حياة فضلاً عن أن يحل الله فيه ويتحد به ويتخذ حجاباً من ناسوته.
هذه روح تكون من الأنبياء والصديقين، وعندهم في التوراة: إن الذين كانوا يعملون في قبة الزمان حلت فيهم روح الملائكة وروح الفهم والعلم هي ما يحصل به الهدى والنصر والتأييد، وقوله: روح الله لا يدل على أنها نصفة فضلاً عن أن يكون هو الله، وجبريل يسمى روح الله، والمسيح إسمه روح الله.
والمضاف إذا كان ذاتاً قائمة بنفسها فهو إضافة مملوك إلى مالك كبيت الله، وناقة الله وروح الله، ليس المراد به بيت يسكنه، ولا ناقة يركبها، ولا روح قائمة به، وقد قال تعالى: أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ، وقال تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا .
فهذه الروح أيد بها عباده المؤمنين.
وقد أخبر أنه أيده بروح العلم وخوف الله، فجمع بين العلم والخشية وهما الأصلان اللذان جمع القرآن بينهما في قوله تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء .
وفي قول النبي-صلى الله عليه وسلم-: أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية وهذا شأن العبد المحض.
وأما الإله الحق ورب العالمين فلا يلحقه خوف ولا خشبة ولا يعبد غيره، والمسيح كان قائماً بأوراد العبارات الله أتم القيام.
وإن أوجبتم له الإلهية بقول أشعياء : إن غلاماً يولد لنا، أعطينا ولداً، ورياسته على عاتقيه وبين منكبيه، ويدعى اسمه ملكاً عظيماً عجيباً إلهاً قوياً مسلطاً رئيساً، قوي السلامة في كل الدهور وسلطانه كامل ليس له فناء.
قيل لكم ليس في هذه البشارة ما يدل على أن المراد بها المسيح بوجه من الوجوه، ولو كان المراد بها المسيح لم يدل على مطلوبهم.
إن دلالتها على محمد بن عبد الله أظهر من دلالتها على المسيح، فإنه هو الذي رياسته على عاتقيه وبين منكبيه من جهتين: من جهة أن خاتم النبوة علا نغض كتفيه، وهو من أعلام النبوة التي أخبرت به الأنبياء، وعلامة ختم ديوانهم ، ولذلك كان في ظهره.
ومن جهة أنه بعث بالسيف الذي يتقلد به على عاتقه ويرفعه إذا ضرب به على عاتقه ، ويدل عليه قوله: مسلطاً رئيساً قوى السلامة، وهذه صفة محمد-صلى الله عليه وسلم- المؤيد المنصور رئيس السلامة، فإن دينه الإسلام، ومن اتبعه سلم من خزي الدنيا ومن خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة ومن استيلاء عدوه عليه، والمسيح لم يسلط على أعدائه كما سلط محمد-صلى الله عليه وسلم-، بل كان أعداؤه مسلطين عليه قاهرين له حتى عملوا به ما عملوا عند المثلثة عباد الصليب.
فأين مطابقة هذه الصفات للمسيح بوجه من الوجوه ؟ وهو مطابقة لمحمد بن عبد الله-صلى الله عليه وسلم- من كل وجه، وهو الذي سلطانه كامل ليس له فناء إلى آخر الدهور.
فإن قيل : إنكم لا تدعون محمداً إلهاً بل هو عندكم عبد محض ؟ قيل: نعم.
والله إنه لكذلك.
عبد محض لله، والعبودية أجل مراتبه، واسم الإله من جهة التراجم جاء، والمراد به السيد المطاع لا الإله المعبود الخالق الرازق.
وإن أوجبتم له الإلهية من قول أشعياء فيما زعمتم: ها هي العذراء تحبل وتلد ابناً يدعى اسمه عمانويل، وعمانويل كلمة عبرانية تفسيرها بالعربية : إلهنا معنا فقد شهد له النبي أنه إله.
قيل لكم بعد ثبوت هذا الكلام وتفسيره لا يدل على أن العذراء ولدت رب العالمين وخالق السموات والأرضين، فإنه قال تلد إبناً وهذا دليل على أنه ابن من جملة النبيين ليس هو رب العالمين.
وقوله : ويدعى اسمه عمانويل فإنما يدل على أنه يسمى بهذا الإسم كما يسمى الناس أبناءهم بأنواع من الصفات والأسماء والأفعال والجمل المركبة من إسمين أو اسم وفعل، وكثير من أهل الكتاب يسمون أولادهم عمانويل.
ومن علمائكم من يقول: المراد بالعذراء ههنا غير مريم ويذكر في ذلك قصة، ويدل على هذا أن المسيح لا يعرف اسمه عمانويل وإن كان ذلك اسمه فكونه يسمى إلهنا معنا أو بالله حسبي أو الله وحده ونحو ذلك.
وقد حرف بعض المثلثة عباد الصليب هذه الكلمة وقال معناه الله معنا ورد عليهم بعض من أنصف من علمائهم وحكم رشده على هواه وهداه الله للحق وبصره من عماه وقال: (أهذا هو القائل: أنا الرب، ولا إله غيري، وأنا أحيي وأميت وأخلق وأرزق ؟ ، أم هو القائل لله: إنك أنت الإله الحق وحدك الذي أرسلت يسوع المسيح ).
قال: والأول باطل قطعاً، والثاني هو الذي شهد به الإنجيل، ويجب تصديق الإنجيل وتكذيب من زعم أن المسيح إله معبود.
قال: وليس المسيح مخصوصاً بهذا الإسم فإن عمانويل إسم تسمى به النصارى واليهود أولادهما.
قال: وهذا موجود في عصرنا هذا، ومعنى هذه التسمية بينهم شريف القدر.
قال: وكذلك السريان يسمون أولادهم عمانويل والمسلمون وغيرهم يقولون للرجل : الله معك فإذا سمى الرجل بقول الله معك كان هذا تبركا بمعنى هذه الإسم .أ.هـ.
وإن أوجبتم له الإلهية يقول حبقوق فيما حكنيتموه عنه: إن الله في الأرض يتراءى ويختلط مع الناس ويمشي معهم ، ويقول تاروخ أيضاً: الله يظهر في الأرض ويتقلب مع البشر .
قيل لكم هذا بعد احتياجه إلى ثبوت هذين الشخصين أولا وإلى ثبوت هذا النقل عنهما، وإلى مطابقة الترجمة من غير تحريف -وهذه ثلاث مقامات يعز عليكم إثباتها- لا يدل على أن المسيح هو خالق السموات والأرض، وأنه إله حق ليس بمخلوق ولا مصنوع، ففي التوراة ما هو من هذا الجنس وأبلغ ولم يدل ذلك على أن موسى إله ولا أنه خارج عن جملة العبيد.
وقوله يتراءى مثل: تجلى أو ظهر أو استعلن ونحو ذلك من ألفاظ التوراة وغيرها من الكتب الإلهية.
وقد ذكر في التوراة أن الله تجلى وتراءى لإبراهيم وغيره من الأنبياء ولم يدل ذلك على الإلهية لأحد منه، ولم يزل في عرف الناء ومخاطبتهم أن يقولوا: فلان معنا وهو بين أظهرنا ولم يمت، إذا كان عمله وسنته وسيرته بينهم ووصاياه يعمل بها بينهم، وكذلك يقول القائل لمن مات والده: ما مات من خلف مثلك، وأنا والدك.
وإذا رأوا تلميذاً لعالم تعلم علمه قالوا: هذا فلان باسم أستاذه، كما كان يقال عن عكرمة هذا ابن عباس وعن أبي حامد هذا الشافعي.
وإذا بعث الملك نائباً يقوم مقامه في بلد يقول الناس جاء الملك و حكم الملك ورسم الملك.
وفي الحديث الصحيح الإلهي : يقول الله عز وجل يوم القيامة : عبدي مرضت فلم تعدني، فيقول يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما إن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما لو عدته لوجدتني عنده، عبدي جعت فلم تطعمني، فيقول رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال : أما علمت أن عبدي فلاناً استطعمك فلم تطعمه، أما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
عندي استسقيك فلم تسقني، فيقول رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين ؟ فيقول: أما إن عبدي فلاناً عطش فاستسقاك فلم تسقه، أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي .
وأبلغ من هذا قوله تعالى : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم ، ومن هذا قوله تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع الله ، فلو استحل المسلمون ما استحللتم لكان استدلالهم بذلك على أن محمداً إله من جنس استلالكم لا فرق بينهما!.
وإن أوجبتم له الإلهية بقوله في السفر الثالث من أسفر الملوك :والآن يا رب إله إسرائيل يتحقق كلامك لداود لأنه هل يسكن الله مع الناس الأرض؟ .
اسمعوا أيتها الشعون كلكم ، ولتنصت الأرض وكل من فيها ، فيكون الرب عليهم شاهداً ، ويخرج من موضعه ، وينزل ، ويطأ على مشارق الأرض في شأن خطيئة بني يعقوب.
قيل لكم هذا السفر يحتاج أولاً إلى أن يثبت أن الذي تكلم به نبي ، وأن هذا لفظه ، وأن الترجمة مطابقة له وليس ذلك بعلوم .
وبعد ذلك فالقول في هذا اللكلام كالقول في نظائره مما ذكرتموه وما لي يدل على أن المسيح خالق السموات والأرض ، وأ،ه إله حق غير مصنوع ولا محلوق ، وأنه سكن في الأرض فإن قوله : هل يسكن الله مع الناس على الأرض؟ هو نفي للسكنى.

ليست هناك تعليقات:

جميع الحقوق محفوظة لــ هدايه الحيارى فى اجابة اليهود والنصارى 2017 ©